عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

90

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

أي فيمن عقبه . * ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * يرجع من أشرك بدعاء من وحد . بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ ( 29 ) ولَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وإِنَّا بِه كافِرُونَ ( 30 ) * ( بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وآباءَهُمْ ) * هؤلاء المعاصرين للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم من قريش وآباءهم بالمد في العمر والنعمة ، فاغتروا لذلك وانهمكوا في الشهوات . وقرئ « متعت » بالفتح على أنه تعالى اعترض به على ذاته في قوله : * ( وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً ) * مبالغة في تعييرهم . * ( حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ ) * دعوة التوحيد أو القرآن . * ( ورَسُولٌ مُبِينٌ ) * ظاهر الرسالة بما له من المعجزات ، أو * ( مُبِينٌ ) * للتوحيد بالحجج والآيات . * ( وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ ) * لينبههم عن غفلتهم * ( قالُوا هذا سِحْرٌ وإِنَّا بِه كافِرُونَ ) * زادوا شرارة فضموا إلى شركهم معاندة الحق والاستخفاف به ، فسموا القرآن سحرا وكفروا به واستحقروا الرسول . وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) * ( وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ ) * من إحدى القريتين مكة والطائف . * ( عَظِيمٍ ) * بالجاه والمال كالوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي ، فإن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم ، ولم يعلموا أنها رتبة روحانية تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية ، لا التزخرف بالزخارف الدنيوية . * ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ) * إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم ، والمراد بالرحمة النبوة . * ( نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) * وهم عاجزون عن تدبيرها وهي خويصة أمرهم في دنياهم ، فمن أين لهم أن يدبروا أمر النبوة التي هي أعلى المراتب الإنسية ، وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها وحرامها من اللَّه . * ( ورَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ) * وأوقعنا بينهم التفاوت في الرزق وغيره . * ( لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ) * ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم فيحصل بينهم تآلف وتضام ينتظم بذلك نظام العالم ، لا لكمال في الموسع ولا لنقص في المقتر ، ثم إنه لا اعتراض لهم علينا في ذلك ولا تصرف فكيف يكون فيما هو أعلى منه . * ( ورَحْمَتُ رَبِّكَ ) * يعني هذه النبوة وما يتبعها . * ( خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) * من حطام الدنيا والعظيم من رزق منها لا منه . ولَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) ولِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِئُونَ ( 34 ) وزُخْرُفاً وإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 ) * ( وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ) * لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه . * ( لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ ومَعارِجَ ) * ومصاعد جمع معرج ، وقرئ « ومعاريج » جمع معراج . * ( عَلَيْها يَظْهَرُونَ ) * يعلون السطوح لحقارة الدنيا ، * ( ولِبُيُوتِهِمْ ) * بدل من * ( لِمَنْ ) * بدل الاشتمال أو على كقولك : وهبت له ثوبا لقميصه ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « وسقفا » اكتفاء بجمع البيوت ، وقرئ « سقفا » بالتخفيف و « سقوفا » و « سقفا » وهي لغة في سقف . * ( ولِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِئُونَ ) * أي أبوابا وسررا من فضة .